الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

526

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الْمُخْلَصِينَ * خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى صعد الصفا » إلى آخر الحديث المتقدم . ومعلوم أن آية : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ من سورة الشعراء [ 214 ] ، وهي متأخرة النزول عن سورة تبت ، وتأويل ذلك أن آية تشبه آية سورة الشعراء نزلت قبل سورة أبي لهب لما رواه أبو أسامة يبلغ ابن عباس لما نزلت : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وقومك منهم الْمُخْلَصِينَ * ( ولم يقل من سورة الشعراء ) خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى صعد الصفا » فتعين أن آية سورة الشعراء تشبه صدر الآية التي نزلت قبل نزول سورة أبي لهب . أغراضها زجر أبي لهب على قوله : « تبا لك ألهذا جمعتنا ؟ ووعيده على ذلك ، ووعيد امرأته على انتصارها لزوجها ، وبغضها النبي صلى اللّه عليه وسلم . [ 1 ] [ سورة المسد ( 111 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) افتتاح السورة بالتباب مشعر بأنها نزلت لتوبيخ ووعيد ، فذلك براعة استهلال مثل ما تفتتح أشعار الهجاء بما يؤذن بالذم والشتم ومنه قوله تعالى : وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [ المطففين : 1 ] إذ افتتحت السورة المشتملة على وعيد المطففين للفظ الويل ومن هذا القبيل قول عبد الرحمن بن الحكم من شعراء « الحماسة » : لحا اللّه قيسا قيس عيلان إنها * أضاعت ثغور المسلمين وولّت وقول أبي تمام في طالعة هجاء : النار والعار والمكروه والعطب ومنه أخذ أبو بكر بن الخازن قوله في طالع قصيدة هناء بمولد : مجشري فقد أنجز الإقبال ما وعد والتّبّ : الخسران والهلاك ، والكلام دعاء وتقريع لأبي لهب دافع اللّه به عن نبيئه بمثل اللفظ الذي شتم به أبو لهب محمدا صلى اللّه عليه وسلم جزاء وفاقا . وإسناد التبّ إلى اليدين لما روي من أن أبا لهب لما قال للنبي : « تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا » أخذ بيده حجرا ليرميه به . وروي عن طارق المحاربي قال : « بينا أنا بسوق ذي المجاز إذا أنا برجل حديث السن يقول : أيها الناس قولوا : لا إله إلا اللّه